أعتقد أن أحد الأسباب التي تجعلني أحب بوسطن هو أنها تبدو مركّبة. ليست قديمة فقط، بل مبنية فوق نفسها. المدينة لا تمتلك تاريخًا فحسب، بل هي مصنوعة منه حرفيًا. منذ أن بدأت أفهم كيف تم بناء بوسطن، لم أعد أستطيع المشي فيها دون التفكير بما يوجد تحت قدمي.
باك باي كانت أكثر مكان جذبني. اليوم تبدو مقصودة جدًا: شوارع واسعة، بيوت بنية متناسقة، كل شيء مرتب وكأنه مخطط له بعناية. لكن في الأصل، لم تكن أرضًا أصلًا. كانت مسطحات مدّ وجزر متصلة بنهر تشارلز، تغمرها المياه مرتين يوميًا. ومع منتصف القرن التاسع عشر، تحولت إلى مساحة راكدة، ملوثة، وغير صالحة للعيش. ولهذا قررت المدينة ردمها. لم يكن الهدف الجمال، بل الضرورة.
ابتداءً من خمسينيات القرن التاسع عشر، شرعت بوسطن في واحد من أضخم مشاريع صناعة الأرض في الولايات المتحدة. تم نقل كميات هائلة من الحصى عبر القطارات من مناطق مثل نيدهام، لدرجة أن خطوط سكك حديد كاملة كانت موجودة فقط لنقل التراب. في ذروة المشروع، كانت آلاف العربات تُفرغ يوميًا في المستنقعات. تغيّر شكل الساحل. تغيّرت الخريطة. أحياء نراها اليوم ثابتة ودائمة… تم صنعها طبقة فوق طبقة عبر عقود.
والأشخاص الذين قاموا بمعظم هذا العمل كانوا مهاجرين إيرلنديين.
هذا الجزء يهمني كثيرًا. الأرض التي تقوم عليها باك باي—أحد أغنى أحياء بوسطن اليوم—بناها عمال إيرلنديون وصلوا حديثًا، فقراء، ويبحثون عن أي فرصة عمل. هم من حملوا الحصى، فرغوا الردم، وأنجزوا العمل الجسدي القاسي الذي جعل هذه الأرض ممكنة. وفي الوقت نفسه، كانوا يواجهون تمييزًا شديدًا. بوسطن في تلك الفترة كانت بروتستانتية بعمق، وكان يُنظر إلى الكاثوليك الإيرلنديين كغرباء وغير مرغوب فيهم.
كانت المفارقة واضحة: حي صُمم ليبقي العائلات الثرية داخل المدينة، بُني على أكتاف أشخاص لم يُسمح لهم بالانتماء إليه. هذا التناقض صعب تجاهله.
أفكر في هذا كثيرًا عندما أنظر إلى نماذج بوسطن التاريخية التي تُظهر خط الساحل القديم. أحب مشاهدة كيف يتغير شكل المدينة مع الزمن، وكيف تزحف الأرض على الماء تدريجيًا. أجزاء كاملة من بوسطن تظهر فجأة، وكأنها لم تكن موجودة من قبل. هذا يجعل المدينة تبدو أقل صلابة، وأكثر كيانًا لا يزال في طور التشكل.
بوسطن مدينة لم تُبنَ مرة واحدة. تم تجميعها. رُدمت، أُعيد رسمها، وتكيّفت مع احتياجات مختلفة عبر الزمن. شوارع فوق أرض مصنوعة، أحياء مخططة فوق مسطحات كانت ماءً يومًا ما، وطبقات من العمل والطموح مدفونة في الجغرافيا نفسها.
لا أعتقد أن بوسطن تُخفي تاريخها. هي تبنيه داخلها. في أراضٍ مصنوعة، وسواحل مُعاد تشكيلها، ومدينة لا تزال حتى الآن تستقر. وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو حيّة بالنسبة لي.